البقاء لمن يفهم العميل: دروس من السوق

الرئيسية » مدونة » البقاء لمن يفهم العميل: دروس من السوق

 

 

تمرُّ تطبيقات توصيل المطاعم بمرحلة يصعب فيها التكهن باستمرارها على نفس النمط داخل السوق السعودي، فرغم أن الشركات تملك التمويل الكافي، وتعرف كيف تضع أهدافًا كبيرة، وتستطيع أن تطلق حملات تنافُسية في وقت قصير. ولكن هذا لا يكفي إن لم تعرف ببساطة ماذا يريد مُستهلك اليوم؟

في هذا المقال، سنسلّط الضوء على التغيير الذي حدث في سُلوك المستهلكين، وكيف أثّر من حيث البقاء والخسارة على بعض الشركات الكبرى في السوق السعودي.

مواكبة تغيّر سلوك المستهلك

العميل اليوم أصبح أكثر وعيًا، وخاصةً بعد جائحة كورونا؛ إذ بات المستهلك يبحث عن الخيار الذي يقدّم الجودة بسعر منخفض، ويفتح أكثر من تطبيق ليقارن الأسعار، ومدة التوصيل، وقيمة العرض، ورسوم الخدمة، ثم يقرر مع أي منصة سيكمل طلبه.

وفي عالم التجارة، من لا يضع مصلحة العميل في مقدمة قراراته يكتشف لاحقًا أن العميل انتقل إلى غيره، لأن الولاء هو نتيجة متجددة لكل تجربة يشعر فيها العميل أن اختياره كان صحيحًا.

هذا التحول في السلوك جعل المنافسة في سوق التطبيقات أكثر حساسية، ودفع المنافسين الكبار مثل “جاهز” و “هنقرستيشن”، و”نون”، و”كيتا”، يعتمدون على خصومات قوية وعروض توصيل مجانية لكسب العملاء. وذلك بحدّ ذاته يطرح سؤالًا أكبر: إذا كان الجميع يقدّم ميّزات، فعلى أي أساسٍ يختار العميل البقاء؟

 

فهم العميل هو الجوهر الذي يختصر المنافسة

لم تعد الميزة التنافسية في سوق التطبيقات مرتبطة بكثرة الحملات أو اتساع الانتشار فقط؛ فقد أصبحت تقاس بقدرة الشركة على معرفة ذوق العميل وسلوكه قبل أن يطلب. واليوم، تساعد الكثير من الأدوات الرقمية مثل الذكاء الاصطناعي والخوارزميات للسوشيال ميديا على تحليل البيانات وكشف ذوق وسلوك العميل، وما الذي يفضله، ومتى يبحث، ومتى يستعجل، ومتى يتصفح.

يُظهر تطبيق “جاهز” فهمه للعميل من زاويتين واضحتين: الأولى في التعويض السريع عند وجود نقص بسيط في الطلب، والثانية في استخدام البيانات داخل “إكسبلور” لمعرفة تفضيلات العميل؛ هل يميل للبرجر؟ هل يبحث عن الترند؟ هل يتصفح بهدوء أم يريد الطلب بسرعة؟

 

 

 

من لا يطبق عامل الاحترام يخسر

يقول صالح الشبل، الأستاذ المساعد بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، والخبير في مجال التسويق، إن “أساس التسويق الناجح هو بناء الثقة مع العميل وخلق قيمة حقيقية للمنتج”. لذلك، تبدأ الشركات بمواجهة الخسارة حين تبيع صورة أكبر من القيمة التي تقدمها.

العميل السعودي ليس سهل الإقناع، وهو أذكى من أن تُدار علاقته مع تطبيقات التوصيل عبر رفع قيمة بعض الطلبات أو الوعود التسويقية الوهمية. بما فيها اعتماد بعض تطبيقات التوصيل على سياسة حرق الأسعار، حيث تقوم بتقديم وجبات بخصومات هائلة لجذب المستهلكين الجُدد. وهو أسلوب تسويقي يخلق عميلًا مؤقتًا جاء من أجل السعر ورحل حين عاد السعر إلى حقيقته.

 

كيف تقترب من عملائك وتحافظ عليهم؟

فهم العملاء مهم باعتبارهم الهدف لأي علامة تجارية، وعليه فيجب التعامل بخطوات واضحة للوصول تساعد على الاقتراب ومعرفة احتياجاته، ومنها على سبيل المثال: 

أولًا: تقديم تجربة واضحة للمستهلك تحترم وقته وقراره، لأن العميل لا يريد أن يبذل جهدًا كبيرًا حتى يفهم العرض أو يصل إلى طلبه أو يعرف التكلفة النهائية. كلما كانت الرحلة داخل التطبيق أسهل، وكانت الأسعار والرسوم ظاهرة من البداية، وكانت خطوات الطلب مختصرة، شعر العميل أن المنصة صُممت لتخدمه فعلًا.

ثانيًا: الحرص على حضور تسويقي مقنع، لأن غياب العلامة التجارية عن ذهن العميل أو ظهورها بحملات ضعيفة يترك مساحة كبيرة للشك. ويمكن النظر إلى تجربة تطبيق مثل “نعناع” من هذه الزاوية، فقد كان يعمل في مجال مهم وحيوي مثل توصيل البقالة، لكنه كان ضعيفًا في حضوره التسويقي.

ثالثًا: يفضل استخدام البيانات الموجودة لتخصيص تجربة العميل، لنفترض أنه يطلب البرجر كل أسبوع؛ فهذا يعني أنه لا يريد أن يرى إعلانات السوشي في واجهة التطبيق. إن 76% من العملاء يفضّلون الشراء من علامات تجارية تقدّم لهم توصيات مبنية على سلوكهم الفعلي، وليس على حملات عشوائية يمكن إرسالها للجميع.

رابعًا: يجب منح الاهتمام لاستمرار العميل. فكثيرٌ من التطبيقات تصرف ميزانياتها على جذب عملاء جدد وتنسى من يطلب منها كل يوم. وعليه فإن برامج مثل “جاهز برايم” قد غيّرت هذه المعادلة، حيث يدفع العميل اشتراكًا شهريًا ويحصل على توصيلٍ مجاني، فيشعر أنه كلّما طلب أكثر استفاد أكثر.

خامسًا: إصلاح التحدّيات التشغيلية قبل أن يلاحظها العميل، ففي حقيقة الأمر أنه حين يفتح التطبيق يكون إما جائعًا، أو مستعجلًا، أو الاثنين معًا. ولذا، فإن التأخير غير المبرّر هو من الأسباب التي تجعل العميل يبحث عن البديل. وبالتالي، تحقّق التطبيقات التي تحلّ مشكلات المستخدم ضعف معدّل الاحتفاظ بالعملاء مقارنةً بغيرها طبقًا للأرقام الحديثة.

 

الدرس الأساسي في السوق

لقد شهد سوق التطبيقات السعودي نماذج قويّة صعدت إلى مؤشّرات الترند بسرعة، وامتلكت حضورًا لافتًا في الصفحات الرقمية، لكنها لم تكن قادرة على مواكبة التغيّر في سلوك المستهلك. فقد أعلن تطبيق “شقردي” توقفه نهائيًا بعد ست سنوات من العمل، في ظلّ قصور تشغيلي أفضى إلى تجربة غير مرضية، إذ كان نظامه يشترط وصول المندوب إلى المطعم قبل أن يبدأ إعداد الطلب، وهو ما أحدث تأخرًا متكررًا في التجهيز والتوصيل دفع العميل نحو بدائل أكثر سلاسة.

بالتوازي مع ذلك، دخل تطبيق “نعناع” مرحلة إعادة التنظيم المالي بعد أن كان من الأسماء البارزة في توصيل البقالة، وذلك إثر مواجهته تحدّيات تشغيلية ارتبطت بشكل مباشر بعلاقته مع المستهلك. يعود السبب الرئيسي إلى المشكلات التقنية المتكررة في التطبيق، وتأخّر الشحنات، ونقص بعض المنتجات المطلوبة عند التوصيل، في اهتزاز ثقة العميل وتراجع معدّلات الولاء.

وبين التجربتين يظهر الدرس الأهمّ: إذا لم تلبِّ توقعات العميل بفهم احتياجاته المتغيرة، وتقديم تجربة تستحق ثقته،  فلن تستطيع بناء علاقة طويلة الأمد معه.

وختامًا، إن الاستمرار في سوق منافس يتطلّب فهم السلوك المتغير، ومن يراهن على النمو قد يكسب الانتباه مؤقتًا، لكن من يفهم العميل ويقدّم له قيمة واضحة، هو الأقرب للبقاء.