في أواخر عام 2023، طُرح سؤال على مدير إبداعي في إحدى أكبر وكالات الإعلان في الرياض: “هل تستخدم الذكاء الاصطناعي في عملك؟” كان ردّه: “بالطبع لا، نحن نحافظ على الجودة.” وبعد ثمانية أشهر، أصبح الفريق الإبداعي نفسه يعتمد على الأدوات الاصطناعية لإنجاز ما كان يستغرق ثلاثة أسابيع في ثلاثة أيام.
ما يحدث الآن في كثير من الوكالات هو استثمار حقيقي في تدريب الموظفين على الذكاء الاصطناعي كمسرّع تشغيلي. هذا التحول يخدم المبدعين تحديدًا؛ إذ لم يعد المصمم يتصفح عشرات المراجع البصرية ليستطيع بناء توجهًا بصريًا، ولا كاتب المحتوى الذي كان يصارع مرحلة الجمود الذهني بات ينطلق من مسودة جاهزة يحررها ويُعيد بناءها بصوته.
هذا الانتقال جاء مواكبةً لتوجه المملكة العربية السعودية، حيث احتلت المرتبة الـ 14 عالميًا في مؤشر الذكاء الاصطناعي لعام 2024، فيما ارتفع الإنفاق الحكومي على التقنيات الناشئة بأكثر من 56% في نفس العام. وكأن الدولة تقول لقطاع الأعمال بصوت واضح: الاتجاه محسوم، ومن يتأخر يتخلف.
الذكاء الاصطناعي لن يتفوق على الإبداع البشري.
تتمثل مفارقة أدوات الذكاء الاصطناعي الكبرى في عدم قدرتها على التوسع الإبداعي الحقيقي؛ فمخرجاته ليست سوى استنتاجات مستخلصة من أنماط البيانات، تفتقر إلى الخيال والوعي والقدرة على التفكير النقدي الذاتي. كما أن الاعتماد عليه كمصدر وحيد للإلهام يفضي إلى مخرجات يمكن تمييزها بسهولة، لأن الجميع أصبح يستلهم من المصدر ذاته.
ما يجب على المبدع فهمه جيدًا الآن هو أهمية عدم مقاومة الأداة على طول الخط لمجرد التخوف، واستخدامها كشريك للإبداع، مع إدراك أن الذكاء الاصطناعي قادر على تعزيز العملية الإبداعية. وكما حدث مع قنوات مواقع التواصل التي قوبلت بالمقاومة في بداياتها ثم أصبحت وسيلة غيّرت مسار العلامات التجارية، فإن الذكاء الاصطناعي اليوم يمكن فهمه بنفس الطريقة وربما يكون هو المغير الثوري القادم.
وقد لخّص البروفيسور كريم جيربي من جامعة مونتريال هذه المعادلة بدقة، بعد دراسة قارنت أكثر من 100 ألف إنسان بأنظمة الذكاء الاصطناعي، حيث قال إن الذكاء الاصطناعي أصبح أداةً بالغة القوة في خدمة الإبداع البشري، لكنه لن يحلّ محلّ المبدعين، وسيحدث تحوّلاً عميقًا في طريقة تخيّلهم واستكشافهم وإبداعهم. لذا، يظل الإبداع فعلًا إنسانيًا في جوهره، يزداد تطورًا عندما يكون مدعومًا بالذكاء البشري في تجارب مضبوطة.
كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي في العملية الإبداعية؟
تعلّم كيف تخصّص أوامرك وتوجّهه قدر الإمكان، سواءً في توليد أفكار إبداعية للصور أو النصوص. وأيضًا استخدم أسلوبًا حواريًا ينظر من زوايا مختلفة وغير مطروقة مسبقًا؛ فبدلًا من تقديم طلب مباشر مثل: “أعطني أفكارًا لحملة رياضية”، جرّب أن تسأل: “ما الأسباب التي تجعل الناس يكرهون الإعلانات الرياضية؟” ليأتي دورك في تقديم التوجيه الإبداعي خلال جلسة العصف الذهني، ثم اتخاذ القرار النهائي باختيار أفضل الخيارات وصقلها.
لنفترض أنك طلبت أفكار لحملة تسويقية من “شات جي بي تي”، سينتج لك قائمة ويقدم لك نتائج قد لا تكون الأفضل في البداية، ولكن يمكنك تكرار العملية باستبعاد ما لا تريده، أو التوسع في إحدى الأفكار حتى تصل إلى النتيجة التي تبحث عنها.
ما هي أنواع المهام التي يستطيع فعلها؟
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون مفيدًا جدًا في عدد من المهام الإبداعية اليومية، خصوصًا تلك التي تستهلك وقتًا وجهدًا في البدايات. ومن أبرز ما يستطيع فعله:
- توليد أفكار إبداعية للحملات التسويقية.
- اقتراح عناوين وصياغات متعددة للنصوص.
- تلخيص المعلومات وترتيبها بسرعة.
- اقتراح مراجع بصرية للمصممين.
- إعداد مسودات أولية لكتابة المحتوى.
- المساعدة في الترجمة والتدقيق اللغوي.
لكن في المقابل، هناك أمور لا يستطيع الذكاء الاصطناعي القيام بها بالكفاءة نفسها التي يملكها الإنسان. فهو لا يجيد التواصل لفهم متطلبات العملاء، ولا يفهم دائمًا النبرة المناسبة أو الحساسية المطلوبة في بعض الرسائل. كما أنه قد يفشل في فهم السياق المحلي، خصوصًا في السوق السعودي، عندما يتعلق الأمر باللهجة، والعادات، والرموز الثقافية، وما قد يكون مقبولًا أو غير مناسب للجمهور.
إضافةً إلى ذلك، لا تزال الأدوات الحالية تعاني من ضعف نسبي في تقديم نماذج عربية متكاملة من حيث الأسلوب، والعمق، وسلاسة الصياغة. والأهم من ذلك، أنه لا يضمن دائمًا تقديم معلومات صحيحة؛ إذ قد ينتج إجابات تبدو مقنعة لكنها غير دقيقة. لذلك يبقى دوره الأفضل هو المساعدة، بينما يظل الحكم النهائي للمبدع.
جهات تبنّت الذكاء الاصطناعي
لم يعد الحديث عن توظيف الذكاء الاصطناعي في القطاع الإبداعي مجرد توجه عالمي بعيد عن الواقع المحلي. فمع إعلان المملكة تخصيص عام 2026 عامًا للذكاء الاصطناعي، واحتلالها المركز الأول عربيًا في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، بدأت كيانات ثقافية وفرق إبداعية سعودية تُدخل هذه التقنية في صميم عملها.
- طوّرت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي نموذج “علّام”، وهو نموذج لغوي ضخم يعالج المحتوى العربي ببراعة ويراعي السياق المحلي. استُخدم تطوير أدوات كتابة إبداعية مخصصة للمبدعين السعوديين.
- طبقت مؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله للموهبة والإبداع “موهبة” ضوابط لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي (ChatGPT) و (Midjourney) في المشاريع الإبداعية والبحثية للطلاب، مما حفز جيل الشباب على دمج الآلة في مراحل “العصف الذهني” وتطوير النماذج الأولية.
الخلاصة: إن دخول الذكاء الاصطناعي في المجال الإبداعي لا يستبدل الإنسان، ولكن يوسّع مساحة الإبداع أمامه؛ فكلما أحسن المبدع استخدام الأداة، ازدادت قدرته على الوصول أسرع، والتجريب أكثر، وصناعة أفكار تحمل بصمته هو لا بصمة الآلة.