أصبح الإعلان جزءًا من الحياة اليومية وأكثر انتشارًا من ذي قبل؛ من لافتات الشوارع الإعلانية إلى شاشات التلفزيون والمنصات الرقمية. وتستخدمه العلامات التجارية والجهات الحكومية والخاصة، بهدف الإقناع أو نشر الوعي حول قضية مهمة.
لهذا فالحملة الإعلانية تنجح في الغالب حين تبدو وثيقة الصلة بالناس، قادرة على ملامسة مشاعرهم، وفهم طريقة تعبيرهم. فماذا يحدث بعد نجاح الحملة؟ وكيف ينتقل أثرها من لفت الانتباه إلى بناء علاقة مع الجمهور تجعل العلامة أقرب إليه، وأكثر حضورًا في ذاكرته، وربما المفضلة عند الاختيار؟
كيف يرى المستهلك الإعلان؟
في ظل سوق تنافسي، تعرض معظم العلامات التجارية قيمة متساوية الجودة؛ أي أنها تقدم منتجات أو خدمات متكافئة. ومع ذلك، قد تبدو علامة تجارية أفضل وأكثر جاذبية من العلامة المنافسة، ولا يشترط هنا أن تقدم بالضرورة منتجًا مختلفًا، ولكن بمنتهى البساطة قد يكون سر النجاح في أنها قدّمت نفسها بطريقة مختلفة.
الإعلانات التي تبقى في الذاكرة تتسم بالتميّز، كما فعلت شركة ديمة على سبيل المثال, حين ملأت شوارع الرياض بلوحات زرقاء لا تقول فيها سوى: “ارجعي يا ديمة”. ثم أعادت تقديم نفسها من خلال ذكريات الطفولة التي ارتبطت بشكل وثيق بثقافة الناس. وسرعان ما خلقت الزخم على منصات التواصل الاجتماعي وبثّت التساؤلات والتأويل حول من تكون ديمه وأين اختفت؟

وهنا يأتي دور الإبداع في الإعلان؛ ليمنح العلامة فكرة تميزها، وتجذب الانتباه إليها، وتفتح مساحة للحوار بينها وبين جمهورها. وعندما تنجح الفكرة في ذلك، يكبر هذا الحوار، ويصبح جزءًا من حديث الناس، حتى تحقق النجاح الهائل الذي يستمر لأعوام.
الحملة الإعلانية في يد الكتاب الإبداعي
كثير من العلامات التجارية يعتقدون أنهم يستطيعون إحداث التأثير بحملات ترويجية، لكن الناس اكتسبت مناعة قوية ضد الإعلانات المكررة، وأصبحوا يميلون إلى محتوى يصل الفكرة بطريقة ذكية. فالإبداع هنا هو ما يجعل الرسالة تجذب، وتشد، وتبيع.
وإذا حاولت العلامة إقناع الجمهور أو رفع وعيه، فمن الضروري أن تستخدم لغة الشارع؛ تلك اللغة التي يستخدمها الناس في حياتهم اليومية، ويتواصلون بها فيما بينهم. ومنها قد تولد عبارات بسيطة، لكنها تحمل فكرة إبداعية قابلة على الانتشار.
على سبيل المثال: تعطلت السيارة؟ وواقف تنتظر لين يجيك أحد ، وتحسب كم بيكلفك التصليح! افتح التطبيق عشان تطلب التمويل.
الإعلان الذي يبيع بالإقناع
الناس في الغالب يريدون الشراء لكنهم يتجاهلون الإعلان لأن الأسلوب الذي يطلب منهم ذلك أصبح متوقعًا. عبارات مثل: “اشترك الآن”، و”الحق الفرصة قبل ما تفوتك”، و”العرض لفترة محدودة”، قد تكون دعوة مباشرة تفتقر للقيمة، وحتى إن كانت مصحوبة بتصميم ملفت، فإنها لا تبيع.
وفي كثير من الأحيان، يبدو هذا النوع من الإعلانات وكأنه يقاطعك، ويفرض عليك ما يجب أن تفعله، قبل أن يمنحك سببًا للإهتمام بما يقوله. وهنا تصبح الرسالة:
- قابلة للتجاهل: بمجرد أن يفهم الشخص أنها محاولة بيع مباشرة، يصبح تجاوزها أسهل.
- قابلة للنسيان: تذهب من بال الشخص خلال ثواني، كونها لم تلامس مشاعره.
- قابلة للاستبدال: لأنها مستهلكة ويمكن أن تقولها عشرات العلامات؛ فلا تمنح العلامة صوتًا يميزها عن غيرها.
وهذا النموذج الإعلاني يفقد فاعليته تدريجيًا، فهو يلاحق العميل ولا يحقق النتائج، لأنه وببساطة لم يكن مثيرًا لاهتمامه، ولم يلبِّ رغبةً لديه.
الإعلان الذي يعرف كيف يؤثر
قد تكون فكرة الإعلان جيدة، وكُتبت بإبداع، ومع ذلك لم تحقق التأثير المطلوب؛ لأن جذب الانتباه شيء، والتأثير في سلوك الناس شيء آخر.
وهذا ما يظهر بوضوح في الحملات التوعوية، التي نشاهدها في كل مكان، من لافتات الشوارع للمنصات الرقمية. نتعرض لها عدة مرات، ونفهم رسائلها، وربما نحفظ عباراتها، ثم نعود إلى السلوك نفسه لأنها تلامس الناس.
نعرف خطر استخدام الهاتف أثناء القيادة، ونقرأ “لا تسرع”، ونعرف أضرار التدخين؛ ومع ذلك تستمر هذه السلوكيات. الناس أصبحوا يعرفون ولكن لماذا لا يتغيّرون؟
التأثير لا يبدأ دائمًا بإعطائهم معلومة جديدة، لكنه يجب أن يفهم الأسباب والدوافع من وراء التصرّف بهذه الطريقة، فالعادات والظروف قد تكون أقوى من الضرر الذي يعرف أنه سيحدث لاحقًا.
الإعلان الذي يظهر في الوقت المناسب
اختيار مكان ظهور الإعلان وتوقيته جزء من نجاح الحملة الإعلانية نفسها؛ فكلما ارتبطت الرسالة بالسياق الذي يعيش فيه الجمهور في تلك اللحظة، أصبحت أكثر صلة واهتمامًا بالنسبة إليه.
ومن الأمثلة على ذلك حملة The Real Hydration Break التي أطلقتها الهيئة السعودية للسياحة خلال كأس العالم 2026. استثمرت الحملة استراحة الترطيب أثناء المباريات، وحوّلت دقائقها الثلاث إلى مسابقة مباشرة على إنستغرام بالتزامن مع مباراتي نصف النهائي والنهائي؛ لتصل الرسالة إلى الجمهور في اللحظة التي يعيش فيها الحدث نفسه.
وحققت الحملة أكثر من 3 ملايين مشاهدة، إلى جانب أكثر من 3 آلاف مشاركة في المسابقة؛ لتوضح كيف يمكن لاختيار اللحظة المناسبة أن يحوّل الإعلان من رسالة يشاهدها الجمهور إلى تجربة يشارك فيها.
الإعلان الذي يصل الحملة لأقصى مراحل التفاعل
يمكن لفكرة واحدة أن تجعل اللوحة نقطة بداية لسلسلة من التفاعلات؛ خصوصًا عندما تترك مساحة لرد المنافس والجمهور والإعلام، ويتطور الإعلان مع كل استجابة جديدة.
وذلك ما حدث بين ثاندر وتيلدا. انطلقت الحملة بعبارة تشويقية قصيرة: “ماتنزّلش ثاندر”. ثم دخلت “تيلدا” على الخط، واختارت المكان نفسه لتقول: “نزّل تيلدا”، وكأنها تكمل رسالة منافسها. وردّت “ثاندر” بإكمال عبارتها: “لو مش عايز فلوس أكتر، ماتنزّلش ثاندر”. هذا التسلسل جعل الإعلان قصة تتطور أمام الجمهور، ومنح العلامتين مساحة أكبر للحديث والانتشار.
*
وبعد اللوحات، أصبحت المواجهة مادة للنقاش والمشاركة على المنصات، فامتد صدى الحملة لخارج المساحة المدفوعة. وهذا بحد ذاته رفع حضور العلامة في السوق، وجعل اسمها متصدرًا المنصات الرقمية، وميّزها عن باقي المنافسين؛ وهي مكاسب قد يستمر حتى بعد انتهاء الإعلان.
الخاتمة:
ما تعلمناه في وكالة لهاميم للتواصل الإبداعي من العملاء هو أن ما يبقى بعد توقف الحملة عن الظهور الحملة هو حديث الناس عنها، وسهولة استدعائها، والطريقة التي أصبح الجمهور ينظر بها إلى العلامة. وهنا تظهر القيمة الحقيقية للحملة الناجحة؛ حين يتحول أثرها من لحظة انتباه إلى خيار يثق فيه الجمهور، ويرفع الوعي حول ما تقدّمه، ويقوّي حضور اسم العلامة في السوق.