
المحتوى في موسم رمضان: قراءة حول أهميته في السوق السعودي
في موسمٍ تزداد فيه أعداد الحضور الرقمي، وتتضاعف ساعات استخدام المنصات على نحوٍ غير مسبوق، تبرزُ القيمة الحقيقية لصناعة المحتوى بقدرتها الاستراتيجية على مواكبة التغير، بما ينسجم مع روح شهر رمضان، ويُسهم في إيصال خطابٍ يلامس قيم الجمهور الدينية والاجتماعية. وفي السوق السعودي على وجه التحديد، تتنافس العلامات التجارية لتعزيز حضورها وسط زخم المحتوى الهائل، عبر تقديم مخرجات إبداعية تجعلها الخيار الأول في ذهن المتلقي. تهدف هذه القراءة إلى استعراض دور المحتوى في ربط العلامات التجارية بالمستهلك السعودي خلال الشهر الكريم. كما تحلل كيف يمكن للإبداع الواعي أن يكون محركًا لنجاح العلامة التجارية في أحد أكثر المواسم حيويةً وتأثيرًا. المحتوى الأكثر فعالية في موسم رمضان رمضان شهر تزيد فيه الروحانية ويعلو الترابط العائلي أكثر من أي وقت آخر. لذلك، يميل الجمهور لرؤية ومشاركة القصص التي تركز على جوهر القيم، سواءً كانت دينية أم أخلاقية، حين تُعرض بطريقةٍ تترك الأثر. ولعلّ هذا ما يفسّر بقاء الإعلان الذي شاهدناه قبل خمسين عامًا راسخًا في الذاكرة، يُعاد مشاهدته وتداوله عامًا بعد عام. كما أن أنسنة المحتوى في القصص تمنح العلامة التجارية روحًا تألفها القلوب؛ فحين تعكس عادات الجمهور وتشاركه وجدانه، ينشأ شعورٌ عميق بالانتماء والثقة. وبطبيعة الحال، تتصدر العفوية المشهد؛ وتبرز أهمية استخدام لهجةٍ بيضاء، مقترنةً بمشاهد حيوية تصوّر الطقوس التي تحدث في كل منزل. التغير في أنماط السلوك يشهد سلوك المستخدم في شهر رمضان تحوّلاً يتبع إيقاع “اليوم الرمضاني” المختلف كليًا عن بقية أيام السنة؛ حيث تنتقل ذروة النشاط الرقمي من ساعات النهار المعتادة إلى المساء وفترة السحر. كما أصبح التصفح محكومًا بحالة الصائم؛ ففي النهار يميل الجمهور للمعلومات السريعة (مثل وصفات الطعام وغيرها)، بينما تشتعل منصات التواصل الاجتماعي بالتفاعل بعد الإفطار. وعلى خلاف استخدام الأجهزة العشوائي، يُعاد ترتيب الجداول الزمنية بما يتماشى مع طبيعة اليوم، ويصبح السلوك الرقمي مدفوعًا باحتياجات محددة، أبرزها: – تطبيقات العبادة: تمثّل الركيزة الأساسية في ساعات النهار؛ حيث يزداد استهلاك برامج القرآن الكريم، الأذكار، ومنصات التبرع الموثوقة (مثل منصة إحسان). – تطبيقات التوصيل: تلبي الاحتياجات الغذائية العاجلة وتؤمّن مستلزمات مائدة الإفطار، خاصةً في الساعات التي تسبق الأذان. – مواقع التواصل الاجتماعي: تشتعل منصات مثل “سناب شات” و”تيك توك” بالمحتوى الترفيهي القصير، وتغطية التجمعات العائلية التي تعكس أجواء الشهر. – تطبيقات التسوّق: مع اقتراب العشر الأواخر، يتوجه تركيز الجمهور بقوةٍ نحو تطبيقات الموضة، العطور، والهدايا، استعدادًا لتجهيزات عيد الفطر. أمثلة على استراتيجيات ناجحة: في شهر رمضان، نجد أن أكبر الشركات في السوق السعودي تتبع مسارات استراتيجية مدروسة مكّنتها من تصدّر المشهد الذهني لدى الجمهور. هذه الشركات تدرك أن المستهلك السعودي في رمضان يقبل بالمحتوى الذي يتماشى مع خصوصية هذا الشهر؛ لذا تُعيد صياغة خطابها التسويقي ليوازن بين أهدافها المؤسسية والقيم الروحية. استخدام المحتوى العاطفي: تعتمد هذه الاستراتيجية على ترسيخ القيم الرمضانية، وتكريس دور العلامة التجارية كعنصر مسؤول ومؤثر في نسيج المجتمع. وتبرز حملات STC بوصفها نموذجًا لافتًا؛ إذ تقدّم محتوى يتمحور حول الإنسان باعتباره جوهر التجربة التقنية، وتبتعد عن بيع خدماتها الرقمية (مثل الباقات أو سرعة الإنترنت) بشكل مباشر. لماذا نجحت؟ لأنها أبرزت دورها التقني بوصفه “الجسر” الذي يقرّب المسافات، ويعزّز صلة الرحم والترابط العائلي خلال الشهر الكريم. كما امتد دورها عبر حملات المسؤولية الاجتماعية التي تحثُّ على العمل الخيري الجماعي، مثل حملة “بالخير نروح أبعد” (2025)، مما يجعل المستهلك يشعر بأن انتماءه لهذه الشبكة يساهم في بناء أثر مجتمعي إيجابي ومستدام. استخدام محتوى النوستالجيا: تميل النفوس لكل ما يربط الحاضر بالماضي الجميل، وتكون قلوب الناس في رمضان أقرب للذكريات التي تعيد إحياء الاجتماعات العائلية القديمة ومشاعر الحنين. تمرُّ مشاهد سفرة الإفطار التي كانت تجمع العائلة من غير تخطيط، حتى يكبر الأطفال الذين كانوا حولها وحول المنتج الذي يسترجع كل هذا. استثمرت شركة “فيمتو” (Vimto) هذه الفكرة في حملات تستعرض تغيّر مائدة الإفطار عبر السنين؛ تتبدّل العائلة، ويتغيّر المنزل، وتختلف الأواني، بينما يبقى الطعم القديم والموسيقى عنصرين ثابتين. لماذا نجحت؟ السبب في نجاح هذه الحملات هو عرض المنتج كرمز تتوارثه العائلة، مما يجعل التخلي عنه أشبه بالتخلص من تقاليد وهوية العائلة التي اعتادت عليها كجزء من طقوسها الرمضانية. استراتيجية التفاعل اللحظي: تركز على مرافقة المستهلك في عاداته اليومية المتغيرة خلال رمضان، خاصة في أوقات الذروة؛ أي بعد الإفطار والسحور، عبر تقديم محتوى خفيف وتفاعلي يكسر جمود الإعلانات التقليدية. وقد نجح تطبيق التوصيل “هنقرستيشن” في تحويل التنبيهات الروتينية إلى تجربة ممتعة، من خلال إطلاق مسابقات رمضانية (مثل المكون الناقص)، ومنشورات قصيرة ذات طابع فكاهي. لماذا نجحت؟ تكمن قوة هذه الاستراتيجية في اختيار التوقيت؛ إذ تتزامن رسائل التطبيق مع اللحظات الحرجة التي يحتاج فيها الجمهور إلى حلول فورية، مثل إرسال تنبيهات ذكية في “وقت الجوع” قبل الإفطار، أو تقديم مقترحات سريعة عند “حيرة السحور” قبل الأذان. كيف تُنشئ محتوى رمضانيًا مميّزًا؟ – ادرس المنافسين: وحلل “لماذا نجحوا؟ وتعلّم من الثغرات التي تسببت في تعثّر غيرهم. – خطط مسبقًا: اجعل المحتوى جاهزًا قبل النشر بشهر أو شهرين على الأقل. – أنسِن الرسالة: قدّمها كقيمة إنسانية صادقة بعيدًا عن لغة الترويج المباشرة. – خصّص وقتًا للنشر: استغل الساعات الذهبية (ما بين 9 مساءً حتى 2 صباحًا). – ابتكر أفكارًا جديدة: غيّر زاوية الطرح وقدّم المألوف بروح مختلفة. – قيّم المخرجات: قيّم الأداء أسبوعيًا وعدّل المسار عند الحاجة.





