الرئيسية » مدونة » الجيل الجديد Gen Z.. متى يصبح ناقوس خطر؟

خلال السنوات الأخيرة، أصبح الحديث عن استهداف الجيل الجديد Gen Z واحدًا من أكثر المواضيع تداولًا في عالم التسويق. فكل يوم تقريبًا تظهر نصائح جديدة تدعو العلامات التجارية إلى تغيير طريقة حديثها، واستخدام مصطلحات الشباب، والإكثار من الإيموجي، وصناعة محتوى يشبه ما يتداوله المستخدمون على منصات مثل تيك توك وإنستغرام وX. حتى بدا الأمر وكأن النجاح في التسويق أصبح مرهونًا بقدرتك على تقليد لغة هذا الجيل.

لكن الحقيقة أن هذه الفكرة -رغم صحتها في جزء منها- تُطبق بطريقة مبالغ فيها. فبدلًا من أن تسعى العلامات التجارية إلى فهم الجيل الجديد، أصبحت تحاول أن تتشبه به، وهو فرق كبير قد يصنع نجاحًا أو يتسبب في فقدان هوية البراند بالكامل.

استهداف Gen Z لا يعني أن تتحول العلامة التجارية إلى شخص يكتب مثل المراهقين أو يلاحق كل ترند جديد، لأن الجمهور لا يقيّم العلامات التجارية بالطريقة نفسها التي يقيّم بها صناع المحتوى أو المؤثرين. ولكن في الواقع بعض القطاعات تعتمد في نجاحها على الثقة والإحترافية أكثر من اعتمادها على الطرافة وخفة الظل. لهذا سنتعرف في هذا المقال على كيف يصبح استهداف الجيل الجديد خطوة ذكية، ومتى يتحول إلى ناقوس خطر؟

لماذا أصبح الجميع يتحدث عن Gen Z؟

يُعد جيل Gen Z من أكثر الأجيال تأثيرًا على المشهد الرقمي اليوم، فبجانب أنه نشأ مع الإنترنت والهواتف الذكية، فهو أيضاً غيّر الطريقة التي يستهلك بها المحتوى ويتفاعل بها مع العلامات التجارية. بمعنى أنه يفضل المحتوى السريع، ويتجاهل الإعلانات التقليدية بسهولة، كما يميل إلى العلامات التي تبدو صادقة وعفوية وقريبة من واقعه.

هذا التأثير الكبير دفع كثيرًا من الشركات إلى إعادة النظر في أسلوبها التسويقي، وهو أمر طبيعي في ظل تغير سلوك المستهلكين. لكن المشكلة بدأت عندما اختزل البعض فكرة استهداف هذا الجيل في عناصر سطحية، مثل استخدام العبارات الدارجة أو الإيموجي أو تقليد طريقة كتابة المستخدمين على مواقع التواصل، وكأن هذه العناصر وحدها هي مفتاح الوصول إلى الشباب.

والواقع أن الجيل الجديد أكثر وعيًا من ذلك بكثير، فهو يستطيع بسهولة التمييز بين العلامة التجارية التي تفهم جمهوره بالفعل، وتلك التي تحاول فقط أن تبدو “براند كول” أمامه.

كيف اختزل البعض مفهوم التسويق للجيل الجديد؟

انتشرت مؤخرًا منشورات كثيرة تتحدث عن “التسويق الجديد” واستهداف Gen Z، وغالبًا ما تعتمد على المقارنة نفسها. تجد في الجهة الأولى إعلانًا لماكدونالدز أو لأي علامة تجارية مكتوبًا بطريقة تقليدية مع شرح ورسالة واضحة، وفي الجهة الأخرى النسخة “المطورة” كما يصفها أصحاب المنشور، حيث يتم اختصار كل شيء في جملة قصيرة جدًا، مع عدد كبير من الإيموجي مثل:

🔥😜💀✨

وتُقدَّم هذه المقارنة على أنها الدليل القاطع على أن الجيل الجديد لا يقرأ، وأن الحل الوحيد هو التخلي عن الأسلوب التقليدي بالكامل.

المشكلة أن هذه الأمثلة تعطي انطباعًا خاطئًا بأن نجاح التسويق مرتبط بعدد الإيموجي أو بمدى غرابة الجملة، بينما الحقيقة أن نجاح أي رسالة تسويقية يعتمد أولًا على مدى توافقها مع شخصية العلامة التجارية، وطبيعة المنتج، وتوقعات الجمهور، وليس على شكل الكتابة فقط.

فقد يناسب هذا الأسلوب علامة مثل ماكدونالدز أو علامة تستهدف الترفيه، لكنه قد يكون كارثيًا إذا استخدمته مؤسسة مالية أو شركة استثمار أو مستشفى أو جهة حكومية.

ليس كل براند يحتاج إلى التحدث بلغة Gen Z

من أكبر الأخطاء التي انتشرت مؤخرًا الاعتقاد بأن جميع العلامات التجارية يجب أن تتحدث بالطريقة نفسها حتى تبدو قريبة من الشباب. وهذه الفكرة تتجاهل أحد أهم مبادئ بناء العلامات التجارية، وهو أن لكل براند شخصية مختلفة ورسالة مختلفة.

فالعلامة التجارية يقوم الجمهور بتقييمها بما تقوله، وبالطريقة التي تقوله بها. لذلك فإن مطعمًا للوجبات السريعة يمكنه أن يستخدم أسلوبًا مرحًا وساخرًا، بينما يعتمد بنك أو شركة تأمين أو منصة استثمار على نبرة أكثر هدوءًا ورصانة، لأن العميل لا يبحث هناك عن الترفيه، بل عن الثقة.

تخيل أن بنكًا يعلن عن منتج ادخاري باستخدام عشرات الإيموجي والعبارات الساخرة، أو أن مستشفى يعلن عن خدمة طبية بلغة مليئة بالميمز والنكات. ربما يلفت ذلك الانتباه للحظات، لكنه في المقابل قد يثير تساؤلات حول مدى احترافية هذه الجهة.

الفرق بين فهم الجمهور وتقليده

هناك فرق جوهري بين أن تفهم جمهورك وأن تقلده. فهم الجمهور يعني أن تعرف ما الذي يشغله، وما نوع المحتوى الذي يفضله، وما المشكلات التي يبحث عن حلول لها، وكيف يتخذ قرارات الشراء.

أما التقليد، فهو أن تنقل لغته ومصطلحاته وإيموجياته إلى حساباتك الرسمية، معتقدًا أن ذلك سيجعلك قريبًا منه. والمفارقة أن الجيل الجديد غالبًا ما يكتشف هذا التقليد بسرعة، بل ويعتبره أحيانًا محرجًا أكثر من كونه لطيفًا. لذلك نجد كثيرًا من التعليقات التي تصف بعض العلامات التجارية بأنها تحاول “اصطياد الجو” لكنها تفشل في ذلك.

المشكلة الحقيقية هنا هي فقدان الهوية. فحين يشعر الجمهور أن البراند يتحدث بطريقة ليست طبيعته، فإنه يفقد جزءًا من مصداقيته، مهما كان المحتوى جذابًا.

لماذا تحتاج بعض العلامات التجارية إلى أن تكون “الجد” وليس “الصديق”؟

قبل سنوات انتشرت على تويتر نكتة طريفة، كانت عبارة عن صورة لمعلم سلاحف النينجا، وتحتها الجملة: “لما كنت طفل كنت أحترمه أكثر من جدي.”

كانت الفكرة مبالغًا فيها بطبيعة الحال، لكنها لامست جانبًا نفسيًا مهمًا. فالأطفال والمراهقون يبحثون دائمًا عن شخصيات أكبر منهم يمنحونها الاحترام، سواء كان معلمًا أو مدربًا أو جدًا أو شخصية خيالية.

ورغم أن الجيل الجديد يعيش في بيئة مختلفة تمامًا، فإن هذا الاحتياج لم يختفِ. فما زال الناس يبحثون عن جهات يشعرون أنها أكثر خبرة منهم، ويمكن الاعتماد عليها عند اتخاذ القرارات المهمة.

وهنا تكمن الفرصة الحقيقية للعلامات التجارية الجادة، فبدلًا من محاولة التصرف كأنها شاب في السابعة عشرة من عمره، يمكنها أن تكون الشخصية التي تمنح الجمهور الشعور بالثقة والخبرة، أو بمعنى أدق أن تكون هي الجهة التي يشعرون أنها تعرف ما تفعله.

عندما يتحول استهداف Gen Z إلى أزمة هوية

تبدأ المشكلة عندما تصبح ملاحقة الجيل الجديد هدفًا بحد ذاته، فتبدأ الشركة في تغيير أسلوبها كل بضعة أشهر، وتنتقل من لغة رسمية إلى لغة ساخرة، ثم إلى لغة مليئة بالمصطلحات الرائجة، ثم تعود مرة أخرى إلى الجدية، فيفقد الجمهور القدرة على فهم شخصية البراند. وهذا ما يسمى بأزمة الهوية. 

فالعلامة التجارية القوية تمتلك صوتًا واضحًا يعرفه جمهورها، حتى وإن اختلفت الحملات الإعلانية. أما عندما يصبح كل منشور نسخة من الترند الحالي، فإن البراند يتحول إلى شخصية متقلبة لا يعرف الناس ماذا تمثل.

ما الذي يريده Gen Z فعلًا؟

من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن الجيل الجديد يهتم فقط بالمحتوى الساخر أو بالمصطلحات المنتشرة. لكن الدراسات وتجارب العلامات التجارية الناجحة تشير إلى أن هذا الجيل يهتم بأمور أعمق بكثير، منها:

  • الصدق والشفافية.
  • سرعة الاستجابة.
  • سهولة الوصول إلى المعلومات.
  • جودة المنتج أو الخدمة.
  • وجود رسالة واضحة للعلامة التجارية.
  • احترام وقت العميل وعدم إغراقه بالمحتوى غير المفيد.

هذه العناصر هي التي تبني علاقة طويلة الأمد مع الجمهور، أما طريقة الكتابة فهي مجرد وسيلة لنقل الرسالة، وليست الرسالة نفسها.

كيف تخاطب Gen Z دون أن تبدو متصنعًا؟

العلامات التجارية الناجحة هي من تحاول أن تتحدث إلى جمهورها، لذا يمكنك استخدام لغة بسيطة بدلًا من اللغة الرسمية المعقدة، وأن تصنع محتوى سريعًا يناسب المنصات الحديثة، وأن تستفيد من الترند عندما يخدم رسالتك، لكن دون أن تتخلى عن شخصيتك أو قيمك.

فإذا كانت علامتك التجارية معروفة بالاحترافية، فليكن محتواك بسيطًا واحترافيًا في الوقت نفسه. وإذا كانت معروفة بخفة الظل، فليكن المرح جزءًا طبيعيًا من شخصيتها، بدون محاولة مصطنعة لتقليد الآخرين. الأهم من ذلك كله هو أن يشعر الجمهور بأن ما يراه يعكس هوية حقيقية وثابتة.

الثقة أهم من الترند

الترندات تتغير بسرعة، وقد تصبح العبارة الرائجة اليوم قديمة بعد أسابيع قليلة. أما الهوية القوية، فهي ما يبقى مع العلامة التجارية لسنوات. ولهذا نجد أن كثيرًا من العلامات التجارية العالمية حافظت على مكانتها لأنها لم تكن تطارد كل صيحة جديدة، لأنها بالفعل تعرف من هي، وما الذي تمثله، وكيف تريد أن يراها جمهورها. وهذا لا يعني تجاهل التغيرات أو رفض التطوير، وإنما يعني أن يكون التطوير امتدادًا طبيعيًا لهوية البراند، لا قطيعة معها.

فالعلامة التجارية التي تغيّر لغتها مع كل ترند قد تحقق تفاعلًا مؤقتًا، لكنها تخاطر بخسارة أهم ما تملكه: صورة ذهنية واضحة لدى الجمهور.

ختاماً؛ استهداف Gen Z أصبح ضرورة في كثير من القطاعات، لكن الخطأ يبدأ عندما نختزل هذا الاستهداف في تقليد طريقة الكلام أو استخدام الإيموجي أو ملاحقة كل مصطلح جديد يظهر على منصات التواصل.

في التسويق، قد يكسبك الترند تفاعلًا سريعًا، لكن الهوية الواضحة والثقة هما ما يبنيان علامة تجارية تعيش طويلًا، مهما تغيرت الأجيال.

أخبار أخرى قد تعجبك: