الرئيسية » مدونة » الرحلة لمعرفة من أين تنطلق شرارة الفكرة التسويقية

لم تكن عملية توليد الأفكار الإبداعية وليدة اللحظة؛ فقد يجلس الكاتب أمام مهمة واحدة لساعات، يتنقّل بين المواقع والكتب و يستلهم من الإعلانات الناجحة، وكأنه يبحث عن شيء لا يعرف شكله بعد. وكلما طال البحث، يتكرر السؤال نفسه: “كيف اطلع بفكرة ما خطرت على بال أحد؟”

وأحيانًا، كلما حاول أن يأتي بشيء مختلف ابتعدت الفكرة أكثر، وكأن الإبداع شيء يخترعه من العدم. لكن الحقيقة؟ الإبداع هو عملية واعية لإعادة تنظيم ما هو موجود أصلًا، عملية ربط ما هو مألوف بشكل غير مألوف، وهذا ما تقوم عليه الكثير من أعمال التسويق الإبداعي.

قد تأتي فكرة من كتاب، وأخرى من موقف صادفناه في الشارع، أو مشهدٍ في فيلم، أو إعلان شاهدناه قبل سنوات؛ ثم تلتقي هذه الأشياء في لحظة ما لتنتج شيئًا يبدو لنا جديدًا تمامًا. لذا، إذا كانت الفكرة هي نتيجة ربط، فمن أين تأتي العناصر التي نربط بينها؟

أولًا: تكوين الخلفية المعرفية.

أولى مراحل توليد الفكرة الإبداعية هي البحث والفهم؛ فلا يستطيع العقل أن ينتج فكرة من اللا شيء. وكلما كانت المدخلات غنية ومتنوعة، زادت احتمالات الربط بينها.

ولا يشترط أن تأتي هذه المدخلات من المجال نفسه؛ فقد تأتي فكرة إعلان من مشهد سينمائي، أو تعليق نسمعه من شخص، أو تفصيلة بسيطة نلاحظها في موقف يومي، الفرق أن معظمنا يمر بهذه الأشياء ثم ينساها، بينما يتوقف المبدع عندها ويسأل: هل يمكن استخدامه في مكان آخر؟

ثانيًا: اكتشف الروابط الخفيّة.

بعد أن يمتلئ العقل بالمدخلات، يدخل الكاتب الإبداعي في مرحلة أعمق: “الملاحظة”. فليست كل الجوانب التي تعرفها بنفس الوزن والأهمية؛ وما يميّز الفكرة الإبداعية عن أخرى هو قدرة صاحبها على رؤية علاقة بين شيئين لا يبدو بينهما أي رابط. ومن التصادم بين عنصرين لم يجتمعا من قبل لتولد الفكرة.

أغلب الأفكار الجديدة ليست جديدة في الحقيقة؛ هي فكرة قديمة نُقلت من مجالها الأصلي إلى مجال آخر لم يألفها. فمنطق الموسيقى قد يحل مشكلة في تصميم واجهة، وقاعدة في علم النفس قد تصبح فكرة حملة كاملة. المبدع، هنا، أقرب إلى مترجم؛ لا يخترع لغة جديدة، لكنه يحمل معنى من عالم إلى عالم لم يسمع به من قبل.

هل سمعت عن حملة الخطوط السعودية “طيّرها“؟

لاحظت الخطوط السعودية مشكلة بسيطة يواجهها المسافر: كلما اشترى تذكارات ومنتجات محلية، زاد وزن حقيبته، وقد يضطر إلى دفع رسوم إضافية. عندها ظهر رابط لم يكن واضحًا من قبل: ماذا لو أصبح شراء المنتج السعودي نفسه سببًا للحصول على وزن إضافي؟

من هذا الرابط ولدت الفكرة. يحصل المسافر عند شرائها من المتاجر المحلية المشاركة على ملصق يثبت عملية الشراء، ويمنحه عند تسجيل الأمتعة وزنًا إضافيًا يصل إلى 1.5 كجم مجانًا.

وهو ما يجعلها مثالًا واضحًا على صناعة الأفكار الإبداعية في الحملات الإعلانية؛ إذ لم تخترع الحملة شيئًا من الصفر؛ فالمنتجات المحلية موجودة، ونظام الوزن الإضافي موجود، لكنها ربطت بينهما بطريقة لم تكن مألوفة من قبل.

ثالثًا: وسّع الاحتمالات بالعصف الذهني.

في مرحلةٍ ما، نحتاج إلى سماع الأفكار دون الحكم على غرابتها أو عدم قابليتها للتنفيذ. هنا يأتي العصف الذهني؛ يجلس فيه الكاتب الإبداعي في مساحة لمناقشة جميع الأفكار دون مقاطعة أو توقف. لا أحد يقول “هذا غير منطقي”، ولا أحد يوقف الجملة في منتصفها ليصحّح اتجاهها. الفكرة تُقال كما هي، غريبة أو ناقصة أو حتى مستحيلة، وتُترك على الطاولة إلى جانب باقي الأفكار. ففكرة نصف مكتملة من زميل قد تكتمل في ذهن آخر، أو تُفتح زاوية لم تخطر على بال أحد من الفريق.

وبعد أن تمتلئ الطاولة بالأفكار، تأتي مرحلة لاحقة تحتاج إلى مبدع يحسم الاختيار. فيها يتوقف التوسّع ويتم تقليص الخيارات؛ فيعود إلى القائمة كلها، ليرشّح الأفكار الأكثر ارتباطًا بأهداف المشروع، والأقدر على الاستجابة لما يريده العميل.

رابعًا: تقييم الفكرة.

سؤال يساعد الكثيرين على الانتقال من ضبابية الشك إلى عملية يستطيعون من خلالها تقييم الفكرة الإبداعية، وفهم نقاط قوتها، واتخاذ قرار واضح بشأنها. فأحيانًا يشعر الكاتب أن فكرته قوية، ثم يكتشف مع الوقت أنها لم تكن سوى ومضة أشعلت فيه شرارةً مؤقته ثم اختفت.

معايير اتفقت عليها معظم وكالات التسويق:

أولها: الإنسايت؛ فالفكرة القوية تولد من لحظة يشعر فيها الناس انها مألوفة، لا من فكرة يظن صاحبها أنها تعبّر عنهم وهي في الحقيقة تعبّر عنه هو فقط.

ثانيها: قربها من مشاعرهم؛ فالفكرة التي لا تلامس شعورًا حقيقيًا تبقى بعيدة مهما بدت ذكية. 

ثالثها: الفهم؛ فالفكرة الجيدة تصل بسرعة ووضوح، دون أن تحتاج شرحًا طويلًا يستهلك بريقها الأول. 

رابعها: عنصر الدهشة؛ إذ تقدم الفكرة شيئًا غير متوقع، يوقظ الفضول ويدفع المتلقي إلى التوقف والتفكير.

خامسها: سهولة التنفيذ؛ فالفكرة الحقيقية قابلة للتكبير والتنفيذ على أرض الواقع، لا مجرد إلهامٍ جميل يبقى حبيس الورق.

سادسها: قدرتها على البقاء؛ فبعض الأفكار تنتهي بانتهاء الحملة، بينما تترك الأفكار الأقوى أثرًا يمكن تذكره حتى بعد اختفاء الإعلان نفسه. وهنا يمكن للكاتب أن يسأل: لو عدت إلى هذه الفكرة بعد عشر سنوات، هل سيحتفظ بنفس صداها؟ 

خامسًا: تطوير الفكرة وتنفيذها.

أحيانًا يقضي الكاتب الإبداعي وقتًا طويلًا في البحث، وضع العنوان المناسب، والعودة إلى كتاباته لينضج الفكرة. وبعد عدة محاولات، يكتشف شيئًا لم يكن ظاهرًا في البداية: أن الفكرة قد تبدوا قوية، ولكنها تضعف عند التنفيذ، وأن هنالك أُخرى بسيطة بدت صغيرة وكبرت كلما أُضيف إليها تفصيل صحيح. لذلك، لا يمكن فصل جودة الفكرة عن جودة التنفيذ؛ لأن الجمهور في النهاية لن يرى الفكرة التي كانت في رأس الكاتب، بل سيرى الصورة التي وصلت إليه.

هنا يبدأ الكاتب في تطوير الفكرة، لا بتغيير أصلها، ولكن بالبحث عن أفضل صورة يمكن أن تظهر بها. ويجرب أكثر من مدخل؛ كإعلان أو في الميدان. وقد يغير تفصيلة صغيرة أو يستبعد مشهدًا حتى تصل الفكرة الى الشكل الذي يخدمها.

وفي هذه المرحلة، تخرج الفكرة ليراها أكثر من منفّذ في الفريق، وكلٌ يرى فيها زاوية مختلفة؛ فقد يجد المصمم طريقة أبسط لتحويلها إلى صورة، أو يختار المصوّر زاوية تمنح المشهد معنى لم يكن ظاهرًا في النص. وهكذا تستمر الفكرة في التطور، لتقترب من أفضل شكل يمكن أن تصل به إلى الجمهور.

سادسًا: شاهد وصول الفكرة.

من الأمانة أن نصارح أنفسنا ومن نعمل معهم بأن الفكرة، مهما كانت جميلة وذكية، ما تضمن نجاحها لمجرد أنها أعجبت الفريق. أحيانًا نعيش مع الفكرة فترة طويلة لدرجة أننا نعرف كل تفاصيلها ونقتنع بها تمامًا، لكن القرار في الأخير بيد الجمهور، وهو من يحدد مدى نجاحها.

بعض الأفكار تنجح لأنها جاءت في وقتها، وتزامنت مع حدث أو شيء يشعرون به أو يفكرون فيه. وبعضها ينجح لأن المنتج نفسه قوي، والفكرة فقط عرفت كيف تكشف هذه القوة بطريقة واضحة وتخدم المستخدم. وفي المقابل، ممكن تكون عندك فكرة ممتازة، لكن التنفيذ يطلع أضعف من التصور!

حياة الفكرة بعد نشرها تتحول إلى معرفة جديدة تضيفها إلى تجربتك. الفكرة التي نجحت تعلّمك ما الذي جعلها تصل، والتي لم تنجح تعلّمك أين فقدت قوتها في الطريق. ومع الوقت، تجمع من كل مشروع ملاحظة، ومن كل تعليق زاوية جديدة، ومن كل نتيجة سؤالًا تستخدمه في المرة القادمة.

وأخيرًا، استمتع بتعليقات الجمهور وبالطريقة التي يشيدون فيها على المستوى الذي قدمته من الإبداع. وبما أنك وصلت لآخر محطة في الرحلة، تذكر المسودات التي قمت بكتابتها لأسابيع والاجتماعات الطويلة، والأفكار التي استبعدتها قبل أن تصل إلى هذه الفكرة. ومن الجميل أن تراقب كيف يفهم الجمهور الفكرة بطريقته الخاصة، ويعلّق البعض الآخر بقوله: كيف فكروا فيها؟

أخبار أخرى قد تعجبك: