منذ انطلاقتها، قدمت رؤية السعودية 2030 نموذجاً في التسويق الإبداعي الاستراتيجي على مستوى الدول. فقد صيغت بعناية لتصبح قصة وطنية كبرى تحمل رموزًا، ورسائل، وأهدافًا تمس حياة كل فرد، وتفتح المجال أمام الشركات والمؤسسات لتكون جزءًا من مشروع تغيّر شامل.
ولعل ما يجعل رؤية 2030 مثالًا يستحق الدراسة والتحليل في هذا السياق هو قدرتها على تحويل التحول الوطني إلى علامة ذات حضور عالمي؛ علامة تتسم بالوضوح، الطموح، والقدرة على استلهام قطاعات كاملة، سواء في الاقتصاد أو الاستثمار أو الابتكار أو الاستدامة.
رؤية 2030: نموذج تسويق إبداعي لدولة تُعيد تعريف المستقبل
إذا تأملنا أدوات الرؤية، سنجد أن أسلوبها أقرب إلى التسويق الإبداعي منه إلى الوثائق الاقتصادية الجامدة. فقد قامت على ثلاثة أعمدة رئيسية: مجتمع حيوي، اقتصاد مزدهر، وطن طموح وهي في جوهرها “رسائل قيمة Value Propositions” موجهة للشعب والمستثمرين والشركاء الدوليين.
بناء قصة (National Storytelling)
أول ما يلفت الانتباه عندما نتعامل مع رؤية 2030 كنموذج تسويقي هو قدرتها على تحويل هدف اقتصادي معقد إلى قصة وطنية قابلة للحكي. وهذا التحوّل ليس تفصيلاً بسيطًا، بل حجر الأساس في نجاح أي استراتيجية اتصال ضخم.
من البيانات البحتة إلى قصة لها روح
بدلًا من عرض أرقام حول التنويع الاقتصادي أو حجم الاستثمار أو نسب النمو، قدّمت الرؤية الفكرة الجوهرية في جملة واحدة واضحة:
«ننتقل من اقتصاد أحادي إلى اقتصاد متنوع، ونبني مجتمعًا حيويًا ووطنًا طموحًا».
هذه العبارة لعبت دور “العنوان الكبير” الذي يُبنى عليه كل شيء. فالعقل لا يتذكر الجداول، لكنه يتذكر القصص. والقصة هنا ليست حكاية حدث، بل سرد مستمر لرحلة طويلة يشعر المواطن والمستثمر أنه داخلها وليس مجرد مشاهد لها.
السرد متعدد الطبقات
ما تفعله رؤية 2030 ببراعة هو أنّها تسوّق عبر طبقات مختلفة من السرد، وكل طبقة تستهدف جمهورًا مختلفًا:
- طبقة المشاعر: تظهر في الحديث عن جودة الحياة، الترفيه، المساحات العامة، تمكين المجتمع، وتمكين المرأة. هذه الطبقة تخاطب الفرد كإنسان يبحث عن حياة أفضل وليست مجرد أرقام اقتصادية.
- طبقة المنطق الاقتصادي: تأتي عبر الخطاب الموجه للمستثمرين: فرص، مؤشرات، مشاريع ضخمة، بنية تحتية، قوانين جديدة. هنا السرد عقلاني، مبني على معطيات، لكنه ما زال جزءًا من القصة الكبرى.
- طبقة الطموح الوطني: تتجلى في المشاريع العملاقة التي تعِد بمستقبل مختلف، مثل القدية، البحر الأحمر، وأمالا. هذه الطبقة تخاطب “الغد” وتخلق حالة من الترقب الإيجابي؛ هي ليست مشروعا فحسب، بل رؤية لبلد يعيد ابتكار نفسه.
هذا التعدد في الرسائل خلق شبكة مترابطة يمكن استخدامها في الحملات الإعلامية، المؤتمرات، المقابلات، والفعاليات دون تضارب أو تشويش.
المرونة السردية
واحدة من أقوى عناصر سرد رؤية المملكة 2030 أنه يتكيّف دون أن يفقد هويته. يمكن استخدامه في فيديو تسويقي مدته دقيقة، وفي تقرير اقتصادي من 200 صفحة، وفي تصريح رسمي، وفي حملة رقمية. هذه السهولة في التكيّف تعني أن القصة مكتوبة بطريقة تسمح بإعادة تشكيلها حسب الحاجة، وهي خاصية أساسية في أي علامة قوية.
خلق ارتباط عاطفي وفكري في الوقت نفسه
السرد الجيد عادة يميل إلى العاطفة أو العقل، لكن رؤية 2030 تمزج بين الاثنين. فحين يشاهد المواطن مساحات خضراء، فعاليات، تطوير مدن، يشعر أن الرؤية تخاطب حياته اليومية. وحين يقرأ المستثمر عن مشاريع بمليارات الدولارات وخطط استدامة وتحوّل اقتصادي، يشعر أن الرؤية تخاطب مصالحه وأهدافه.
السرد كأداة بناء ثقة
الأهم أن هذا السرد لم يُقدَّم بوصفه وعدًا بعيدًا، بل بوصفه خريطة طريق واضحة. فكل مشروع جديد، وكل إعلان أو تحديث، يعيد الجمهور إلى القصة الأصلية:
“نحن في رحلة تحول، وهذه محطة جديدة.” وهذا يعزز الثقة ويخلق وضوحًا في الهوية الوطنية الجديدة.
ما الذي يجعل سرد رؤية 2030 فريدًا؟
- جوهر القصة: التحوّل نفسه هو البطولة: لم تُقدّم الرؤية أرقامًا أو أهدافًا فقط، بل قدّمت رحلة تحول، تشبه صياغة قصص العلامات التجارية الكبرى. رحلة تمتلك بداية (الوضع الحالي)، ومرحلة انتقالية (المشاريع والتحولات)، ونهاية مرغوبة (المستقبل المزدهر).
- قصة ذات صدى عالمي: السرد لم يُكتب للجمهور المحلي فقط. بل تمت صياغته بطريقة يفهمها ويتجاوب معها كل من: المستثمر العالمي، الإعلام الدولي، الشركات متعددة الجنسيات، والمواهب والخبرات. فجاءت الرسائل بلغة عالمية: ابتكار، تحول اقتصادي، وفرص استثمارية.
- قصة مدعومة بصريًا وبيانيًا: الإنتاج الضخم للمحتوى المرئي، الفيديوهات المستقبلية، الأعمال السينمائية، المخططات، البيانات التوضيحية، كل ذلك مكّن الجمهور من رؤية المستقبل لا تخيله فقط.
- قصة تُحكى باستمرار: الرؤية ليست إعلانًا أُطلق في 2016. هي قصة تُروى في الأحداث الحكومية، المؤتمرات، الإعلام الدولي، الحملات الرقمية، بيانات المشاريع، وإطلاق كل مبادرة جديدة. هذا التكرار الذكي يرسخ القصة ويُبقيها حية ومتجددة.
تشكيل الهويات: المشاريع كعلامات مستقلة داخل علامة وطنية واحدة
الخطوة الثانية كانت تحويل المشاريع الكبرى إلى علامات كاملة الخصائص. لم تعد المشاريع مجرد بنى تحتية أو استثمارات؛ بل أصبحت ذات أصوات بصرية ورسائل مميزة. عند إطلاق مشروع، يُعرض معه فيلم قصير، مكتبة صور عالية الجودة، مواد تعريفية مصممة بشكلٍ متسق، وخطة محتوى تطول لسنوات. هذا النهج يجعل كل مشروع قابلاً لأن يعيش كمركز جذب مستقل بينما يظل جزءًا من السرد الوطني الأكبر.
القدرة على تصميم علامات فرعية بهذه الدقة تمنح الدولة ميزة: إمكانية استهداف شرائح محددة، سياحًا عالميين، مستثمرين متخصصين، أو مواطنين شباب، بدون تشتت الرسالة الأساسية. النتيجة عملية توسيع نطاق الهوية الوطنية إلى فئات سوقية متعددة، وفي الوقت نفسه تضخ قوة تسويقية في كل مشروع على حدة.
اللغة البصرية والمحتوى: إنتاج احترافي يقرّب المستقبل
لا يكفي أن تُصنع قصة سليمة، بل يجب أن تُروى بجودة تليق بطموحها. لذلك رُصدت الاستثمارات لإنتاج محتوى مرئي وسمعي ونصي بمواصفات سينمائية؛ أفلام تعريفية، محاكاة ثلاثية الأبعاد، خرائط تفاعلية، وتجارب افتراضية. هذا المحتوى يقوم بعملين متوازيين: يخلق تصوّرًا ملموسًا للمستقبل المرجو، ويعمل كأداة توزيع تسويقية تصل إلى منصات إعلامية عالمية وتثير نقاشًا دوليًا حول المشاريع.
إنتاج المحتوى كان مدعومًا بمنهجية بياناتية؛ أي أن الرسائل واللقطات التي تُختار تستند إلى فهم شرائح الجمهور، اهتماماتهم، والزمن الأمثل للتعرض لها. هذا التكامل بين الإبداع والبيانات هو ما يحول حملة تسويقية إلى حملة فعّالة قابلة للقياس.
دمج الابتكار والاستدامة في خطاب مقنع
أحد أكبر نجاحات رؤية المملكة 2030 أنها ربطت بين الابتكار والاستدامة كقيم مركزية، وليس كإضافات شكلية. عند مخاطبة مستثمر أجنبي، لا يكفي القول إن المشروع مستدام؛ بل يجب تقديم أدلة ملموسة (خطط طاقة، سياسات حماية بيئية، مؤشرات أداء). وهنا ظهر دور الاتساق بين الرسالة والتنفيذ: مشاريع ترتبط بتقنيات متقدمة أو معايير حماية بيئية تُقترن بحملات توضيحية تعزز مصداقية السرد.
على المستوى التسويقي، هذا الدمج يخاطب ثلاث مجموعات مهمة: المستثمرين الذين يبحثون عن استثمارات مستقبلية مسؤولة، السياح الباحثين عن تجارب جديدة تراعي البيئة، والشباب المواكب للتحولات التقنية. النتيجة: زيادة في الثقة ومكانة تنافسية أعلى على ساحة العروض الدولية.
تجربة الجمهور: كيف تغيّر التواصل مع المواطن والمستثمر والزائر؟
رؤية المملكة 2030 لم تعد تجري في غرف صناعة القرار وحدها؛ بل صُممت لتكون تجربة يومية. المواطن أصبح يشهد فعاليات جديدة، منصات رقمية محسّنة، وفرص عمل متجددة. السائح يجد وجهات مصممة لسرد تجربة متميزة، والمستثمر يلاقي سهولة في الوصول إلى المعلومات وفرص الشراكة. هذا التحول في تجربة الجمهور هو ما يجعل التسويق فعالًا؛ لا يكتفي بجذب الانتباه بل يعمل على الحفاظ عليه عبر نتائج ملموسة.
عملية تصميم التجربة شملت تحسين الخدمات الرقمية الحكومية، إطلاق برامج تدريب وتوطين، وتعزيز تواجد المشاريع على منصات عالمية. وعند قياس مدى نجاح هذه التجارب، لا يكتفي المخططون بأرقام الزيارات فقط، بل يقيسون مؤشرات رضا واستمرارية التفاعل والعودة، وهي مؤشرات تعكس نجاح السرد التسويقي على أرض الواقع.
قنوات وتكتيكات عملت بذكاء لتنفيذ رؤية المملكة 2030
تنفيذ الحملة الاتصالية اتسم بتنوع القنوات واختيار التكتيكات المناسبة لكل جمهور؛ حملات رقمية مركزة، شراكات إعلامية دولية، فعاليات ومعارض عالمية، ودعوات تجربة مباشرة للمؤثرين وصنّاع الرأي. ما ميز الأداء هنا هو التناغم بين هذه القنوات، حيث تعمل جميعها على إعلاء نفس الرواية ولكن بطرق تتوافق مع تقنيات وتوقعات كل جمهور.
كما أن استخدام التحليلات والذكاء الاصطناعي لتتبع الأداء وتحسين الرسائل في الوقت الحقيقي أسهم في رفع كفاءة الإنفاق الاتصالي. الحملات التي تُقاس وتُعدّل، تستمر في الأداء الأفضل مقارنة بالحملات الثابتة.
مؤشرات يجب متابعتها لربط الاتصالات بالنتائج
أي استراتيجية تسويقية قوية تحتاج مراحل قياس دقيقة. بالنسبة لرؤية المملكة 2030، المقاييس تتراوح بين مؤشرات واعية مثل نسبة التغطية الإعلامية الدولية، ومعدلات التعرف على الرسالة، وصولًا لمقاييس اقتصادية مباشرة مثل حجم الاستثمارات المعلنة، عدد المشاريع المشغّلة، ومعدلات التوظيف الناتجة عن المشاريع. كذلك، تقاس تجربة المستخدم عبر مؤشرات رضا المواطن والزائر، ومعدلات العودة للمواقع والخدمات الإلكترونية.
المهم أن الربط بين هذه المقاييس يوفر دليلًا واضحًا على أن الاتصالات ليست تكلفة بل استثمار له نتائج اقتصادية واجتماعية يمكن قياسها.
لماذا تهمنا هذه القراءة التسويقية؟
قراءة رؤية المملكة 2030 بوصفها حملة تسويقية تشرح كيف تحول الطموح إلى أداة جاذبة للاستثمار والموهبة والثقافة. هذه الرؤية صنعت إطارًا عمليًا يستفيد منه كل من يعمل في مجالات الاتصالات، التسويق، إدارة المشاريع، أو السياسات العامة.
ومن واقع خبرتنا في لهاميم للتواصل الإبداعي والتسويق، يمكن القول إن فهم هذه الآليات بجانب أنه يساعد على صياغة رسائل فعّالة، هو أيضاً يوفّر مساحات عمل واضحة ومقاييس دقيقة يمكن البناء عليها لتحويل الرسائل الكبرى إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
الأسئلة الشائعة FAQ:
ما الذي يجعل رؤية المملكة 2030 نموذجًا ناجحًا للتسويق الإبداعي؟
تتميز رؤية المملكة 2030 بقدرتها على تحويل مشروع وطني ضخم إلى قصة واضحة وسهلة الفهم. بدلًا من الاكتفاء بالأرقام، قدمت الرؤية سردًا ملهمًا يدمج المشاعر والطموح والحقائق، ما جعلها نموذجًا عالميًا للتسويق الإبداعي الذي يستهدف المواطنين والمستثمرين والجمهور الدولي بشكل متوازن.
كيف ساهمت رؤية المملكة 2030 في بناء سرد قصصي وطني متماسك؟
اعتمدت الرؤية على “National Storytelling” الذي يحول التحول الاقتصادي والاجتماعي إلى قصة يمكن للجميع أن يكون جزءًا منها. هذا السرد متعدد الطبقات يخاطب المشاعر، المنطق، والطموح من خلال مشاريع كبرى ورموز بصرية ورسائل موحدة.
لماذا تُعد الهوية البصرية عنصرًا أساسيًا في نجاح مشاريع رؤية المملكة 2030؟
لأن المشاريع الكبرى مثل القدية وأمالا والبحر الأحمر أصبحت علامات مستقلة ذات لغة بصرية واضحة ورسائل محددة. هذا الأسلوب يمنح كل مشروع قوة في التسويق ويجعلها قابلة للتميّز عالميًا، وفي الوقت نفسه جزءًا من العلامة الوطنية الكبرى.
كيف دمجت رؤية المملكة 2030 بين الابتكار والاستدامة في خطاب واحد مقنع؟
قدمت الرؤية الابتكار والاستدامة كقيم مركزية وليست إضافات. كل مشروع مدعوم بخطط بيئية وتقنية واضحة، ما جعل الرسالة التسويقية أكثر مصداقية واستقطابًا للمستثمرين، السياح، والشباب المهتم بالتقنيات الحديثة.
ما دور المحتوى المرئي في تعزيز حضور رؤية المملكة 2030 عالميًا؟
اعتمدت الرؤية على محتوى بصري عالي الجودة يشمل أفلامًا سينمائية، محاكاة ثلاثية الأبعاد، وخرائط تفاعلية. هذا المحتوى ساعد على تحويل المستقبل من مجرد فكرة إلى صورة ملموسة، ما رفع مستوى التفاعل والتغطية الإعلامية الدولية.
كيف أسهمت رؤية المملكة 2030 في تحسين تجربة الجمهور داخل المملكة؟
من خلال تطوير الخدمات الرقمية، إطلاق برامج نوعية، وتحسين الفعاليات والوجهات السياحية. تحولت الرؤية إلى جزء من الحياة اليومية للمواطن والمستثمر والزائر، مما يرفع مستوى الرضا ويعزز الثقة في التحول الوطني.
